Sign Up to Our Newsletter

Be the first to know the latest updates

[mc4wp_form id=195]
رأي

مع قهوة الصباح يكتبها ل “أخبار تساوت”المدون ادريس زياد في عدد اليوم الأربعاء :*عِشْقُ الحَرف والقلم*

ألم تعلم أن الله خلق الإنسان بعد القلم، وجعل طريق العلم شائكاً من عناء وألم، وسخر الجهل يجري في الإنسان مجرى الدم، واعلم أن محل القلم من الكاتب كمحل الرمح من الفارس.

والقلم لسان اليد وترجمان الفكر، وهو سلاح لا يقل في تأثيره عن غيره من الأسلحة، فقد منّ الله على عباده في أول سورة نزلت أنه علمهم بالقلم بعد أن منّ عليهم بالقراءة أمراً وفرضاً، فما كان فرضاً على نبيهم إنما هو فرض عليهم “الذي علم بالقلم” وما الأسلحة الأخرى مهما كانت إلا وكانت نتاجاً للقراءة والكتابة والبحث والتمحيص والعلم والتقدم والصناعة والزراعة، والتي كلها أدوات حياة وسبل معيشة لمن أراد أن يحيا قوياً عزيزاً.

فالعلاقة بين العقل والقلم تكاد تكون حيوية وروحية، رغم أنه يبدو لنا أن القلم لا يمتلك روحاً، إلا أننا ندرك أنه يستمد روحاً من روح العقل الذي يضخ من خلاله الحروف والكلمات، لتغدو هذه الكلمات تبث الحياة في قلوب قارئيها ومن هنا ندرك سر اقتران “إقرأ…والقلم” في أول سورة نزلت من القرآن، ويبقى امتلاك الفكر وامتلاك القلم وامتلاك الوسيلة هي أعظم الأسلحة التي تقاتل الأمم بها أعداءها وما النصر إلا من عند الله…

فبِبُكاء القلم تبتسم الكتب، والألم يجعل من القلم كياناً مبدعاً رغم أنه يقف عاجزاً أمام بعض المواقف، وبعض الكلمات لها نفحات تختلف من قلم إلى قلم، ولا قيمة للقلم بلا قيم، ولولا العقل ما كتب القلم، وحرية القلم من حرية العقل، وحرية العقل من حرية الضمير، وحرية الضمير من صلاح القلب، وصلاح القلب من علامات التوفيق، القلم معلم جليل وخادم أصيل، القلم الحر المشبع بالقيم الحامل للأحلام المخطط للأهداف الملون بألوان الحق والعدل والخير لا يتوقف عن الكتابة ولا يفارق الحرف ما دام صاحبه حياً، القلم وجه من وجوه متعددة لمسمى واحد هو الحق، القلم أضيع الأمانات وأروع الكلمات وأوثق المعاهدات، نبضه قوة وعطر كلمته جاذبية، وهو صديقك الذي ينقل حروفك الجميلة وكلماتك الصادقة من قلبك إلى قلوب الناس، وهو الذي أقسم الله تعالى به في كتابه العظيم، فإذا مسكت القلم اسأل الله فتحه ونصره وهداه…

والكتابة هوس قهري، كلما قاومته زاد هوسك به، الكتابة هي مرآة الذات، هي ما تبقى من جمال لم يخضع للتلوث، الكتابة أصل وفعل جميل ومتعب، الكتابة بصمة ولمسة وأسلوب، الكتابة رئة ثالثة تتنفس، الكتابة حالة معقدة ينشغل وينسجم فيها العقل واليد والقلم والورقة والشعور، وكل القراءات والكتابات والنقاشات التي تعلمها الكاتب، ومعايشة الموضوع تضفي على كتابته الروح والخروج عن قالب النظرية إلى التنظير الحقيقي الذي يبرز شخصيته.

والوضوح في الكتابة مهم لكن البلاغة في العمق أهم حيث تكتمل الحلاوة، والكتابة للسوق انتحار وللجمهور انشطار وللمبدأ انتصار، ويبقى الكاتب متوجاً بإكليل الوقار ما لم ينجر إلى المهاترات عبر هذه الفضاءات، الكتابة خمر القراءة الرشيقة العميقة والمعتقة، الكتابة صرخة صامتة من الروح، يسردها القلم، فيسمعها كثيرون على مدار عقود أو قرون…يعتقد البعض أن الكتابة هي فعل محصور ممارسته على نخبة أو أقلية في المجتمع فقط، بل هي مجال متاح للجميع، فما دمت قادراً على الكتابة و تجيد القراءة فإن الباب مفتوح على مصراعيه.

ومن يريد أن يقتحمه ليقدم للناس أجمل ما لديه، فإنه يتطلب منه المهارة في عدة جوانب قبل خوض هذه الغمار، وأبرزها القراءة، فالذي يكتب يجب عليه المطالعة بجد والقراءة بنهم، بمعنى الزيادة في الحصيلة اللغوية والثقافية وتوسيع رقعة المعارف، الشيء الذي يساعده على الكتابة والتدوين،

ومن آداب الكتابة على صفحات التواصل الإجتماعي تجنب نشر كل ما يشعل الفتنة أو يحرض عليها وكل ما يدعو إلى العنصرية وما دار في فلكها، وينصح في هذه الحالة حذف التعليقات والردود التي تلمح إلى ذلك، مع مراعاة بطبيعة الحال حرية التعبير عن الرأي، إلا أن المس بحياة الأشخاص على صفحات التواصل الإجتماعي ليس مما يدخل في باب حرية الرأي والتعبير، ومن المقاصد الطيبة عند بعض الكتّاب، إحداد أداة الكتابة لأنها تصدأ كما تصدأ سائر الأدوات التي يتم إهمالها، لكن يُنصح بكتابة فقط ما تثبت صحته ويسهم في زيادة معرفة القراء وتنمية وعيهم وما يحقق الفائدة لهم ولمجتمعهم وفي إطار الثقافة العامة التي يعرفها الجميع.

كما يجب على الكاتب أن يراعي سلامة اللغة وحسن اختيار الألفاظ والعبارات كي لا يكون عرضة للسخرية من القراء، لأن اللغة هي الأساس في التفاهم والتواصل والدقة في بلوغ الفكرة المقصودة إلى المتلقي، لأن جمالها وفصاحتها ودقة تعبيرها دليل على وضوح الفكرة، الشيء الذي يدفع القراء إلى التلهف للإهتمام بها والإستفادة منها، كما أن وضوح الفكرة هو الأساس في الكتابة بحيث يفهمها القاريء بلا معاناة في التحليل ومحاولات التفكيك، ثم تأتي عملية التجميل ببعض المحسنات البلاغية التي تزيد الفكرة جمالاً ونضجاً وعمقاً وجاذبية، الكتابة تصنع إنساناً دقيقاً، في حين أن القراءة تصنع إنساناً متميزاً، والكتابة التي لا تتخذ من عرق الكادحين مداداً لها، لا تستحق القراءة…

غالبا ما تتآمر الكتابة على روادها فتهرب بعيداً، لكنها ما تلبث أن تعود كطيف مناور يراودهم على فترات متقاربة أو متباعدة، كجرعة دواء يحدد الطبيب توقيتها، ينجح البعض في استعادتها واستعادة طقوسها بمحاولات شتى، فإذا استطاع كان بها، وإن لم يستطع غلبته وغالبته، بينما تستمر متمردة على آخرين وكثيرين، فهي تزور الجميع، ولا تترك أحداً، تقترب من بعضهم، ولا تقترب من آخرين، قد تكون الكتابة من أكثر المخلوقات تهرباً وفراراً من الناس، فهي لا تمنح نفسها إلا لمن عرف قدرها، وأجادها، وصادقها، ومنحها متطلباتها العصية، بل البالغة في عصيانها السهل الجميل كما يصفها كثيرونن.

في أحايين كثيرة، تكتب ثم تعود إلى ما كتبته لتنقحه وتعدّله وتبدّل لفظاً بآخر، وتستبدل عبارة بأخرى، تُغمض التلميح وتنأى عن التصريح كأنك في مجلس، تُراعي سنّك وعائلتك وأصدقاءك، تُراعي الظروف والأحوال والأهوال والمواقف والقريب والبعيد، كأنما تسكن الرقابة داخلك، رقيب تربوي وآخر اجتماعي ورقيب ديني، وينأى بك ذاك عن نفسك، وتنأى كلماتك عنك مهاجِرة منك أو مهجّرة قسراً، وهكذا تتحول العبارة مُجامِلة، والكلمات مُمَكيجة، والمعاني ضائعة، الشيء الذي جعلنا نكتب في كثير من الأحيان سطوراً تُقرأ، وبين هذه السطور معانٍ لا يستطيع قراءتها إلا من كانت بصيرته أقوى من بصره، لم نعد شيئاً أكثر من أقنعة، فقدنا الكثير من خصائصنا وصفاتنا، فقدنا قلوبنا ووجوهنا وأنفسنا، لذلك نرى أن كثيراً مما نخطه ونصدره يصل المستهدف وقد فقد معظم اللحم والشحم وانتهى إلى عظم لا ينتج مرقاً، وإن أنتج شيئاً من ذلك فبِلا دسم، وهذا ينطبق على الكتابة، إذاً كيف للمرء أن يُبدع في ظل هذه الأهوال، رغم أن الكتابة تقع بحسب ما نحن عليه من الأحوال.

🖋️إدريس زياد

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.