بقلم: صالح رشيد
طالب بماستر قانون المنازعات ورقمنة الممارسات المهنية والقضائية.
في محطة فكرية وأكاديمية بارزة، احتضن قصر المؤتمرات بعمالة إقليم قلعة السراغنة، اليوم الجمعة، لقاءً تفاعلياً وازناً تحت عنوان: “ثقافة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي في المملكة المغربية: المرجعية القانونية والحلول التقنية”. اللقاء الذي نظمه “ماستر الحكامة القانونية الرقمية وحماية المعطيات” بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة (جامعة القاضي عياض)، بشراكة مع عمالة الإقليم واللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP)، جاء ليضع الأصبع على تحديات العصر الرقمي وآليات صون الحريات الفردية في ظل التحولات التكنولوجية الكبرى.
افتتاحية اللقاء: الجامعة كقاطرة للوعي الرقميافتُتحت أشغال اللقاء بكلمة ترحيبية وتأطيرية من “السيد محمد الغالي”، عميد الكلية، الذي أكد على الدور الريادي للجامعة المغربية في مواكبة التحول الرقمي منذ إطلاق صاحب الجلالة الملك محمد السادس لاستراتيجية “المغرب الرقمي” سنة 2008. وأوضح الغالي أن اختيار موضوع اللقاء نابع من كون “التكنولوجيا أصبحت جزءاً لا يتجزأ من وعينا وثقافتنا اليومية”، مشدداً على أن القانون 08.09 المتعلق بحماية المعطيات الشخصية هو الحصن الذي يضمن سلاسة هذا التحول دون المساس بحقوق الأفراد.
وفي مداخلة تميزت بتبسيط المفاهيم المعقدة، اعتبر “السيد عمر السغروشني”، رئيس اللجنة الوطنية (CNDP)، أن المعطيات الشخصية باتت لصيقة بكل فرد منا عبر أجهزته الذكية. وقدم السغروشني تشبيهاً بليغاً حيث وصف قوانين الرقمنة بـ “مدونة السير”؛ فكما أن القيادة تتطلب احترام القوانين لضمان السلامة الطرقية، فإن الإبحار في العالم الرقمي يفرض الامتثال لقواعد الحماية لضمان السلامة المعلوماتية والسيادة على البيانات.
شكلت مداخلة السيد زكرياء أولاد، عضو اللجنة الوطنية، منعطفاً نوعياً في اللقاء، حيث تناول موضوع “المدينة الذكية كبنية تحتية للبيانات”. وطرح تساؤلات جوهرية حول ماهية ما تجمعه هذه المدن فعلاً، مؤكداً أنها ترصد كل تفاصيل الحياة:
• الحركية والتنقل، الطاقة والماء، والخدمات العامة.
• التوأم الرقمي: إنشاء نماذج افتراضية للمدن تحاكي الواقع وتتنبأ بسلوكه.
وتساءل أولاد بحدة: “من يتحكم في هذا الفيض من المعلومات؟”، موضحاً أن التحكم يتم عبر السجلات العقارية، التعدادات، المنصات الرقمية، والاستشعار الآني. وفي هذا الصدد، أبرز أهمية القانون 08.09 في تأطير “الموافقة على النطاق الواسع” وضمان آمن لتبادل البيانات، مع التشديد على الموقع الاستراتيجي لـ “مسؤول حماية البيانات” (DPO) داخل المؤسسات لضمان الرقابة والمشروعية.
من جانبه، وصف السيد لحسن مادي، عضو اللجنة، العالم المعاصر بـ “عالم اللايقين” نتيجة التسارع المذهل للذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي. وركز مادي في مداخلته على محورين أساسيين:
• المسؤولية الفردية: ضرورة بناء وعي قانوني يحول فعل حماية المعطيات إلى “سلوك عادي” وتلقائي لدى المواطن.
• المسؤولية الجماعية: الالتزام الأخلاقي والقانوني للمؤسسات والجمعيات والتعاونيات في التعامل مع بيانات المنتمين إليها.خارطة طريق تعليمية: نحو تكوين جيل “الخبراء الرقميين”لم يكتفِ اللقاء بالتشخيص، بل قدم مقترحات عملية لتفعيل التكوين والتحسيس، شملت:
• برامج تعليمية متخصصة: اقتراح مجزوءات تغطي التحولات التكنولوجية، المرجعيات الدستورية، وصلاحيات اللجنة الوطنية (CNDP).
• التكوين بالممارسة: اعتماد منهجية “مجموعات العمل” التي تنتهي بإنتاج وثائق مشتركة لتقاسم الخبرات.
• أكاديمية البحث: الدعوة لتعميم ماسترات وإجازات التميز والدكتوراه في موضوع “حماية المعطيات الشخصية”.
ماذا يعني هذا التحول للطلاب والمجتمع؟ خلص اللقاء إلى أن هذا النقاش يلامس ثلاث فئات رئيسية:
1. الطلاب والباحثون: مطالبون بالانخراط في أبحاث تلامس أخلاقيات الذكاء الاصطناعي والقانون الرقمي.
2. الموظفون والمهنيون: ضرورة استيعاب الضوابط القانونية لتفادي الوقوع في خروقات أثناء معالجة البيانات الإدارية.
3. المجتمع المدني: تكريس ثقافة الرقابة المجتمعية والوعي بالحق في الخصوصية كحق دستوري وأصيل.
اختتم اللقاء بتأكيد المشاركين على ضرورة الانتقال من “النص القانوني” إلى “الثقافة المجتمعية”، معتبرين أن نجاح المغرب في رهاناته الرقمية والمدن الذكية رهين بمدى ثقة المواطن في حماية بياناته. لقد كان لقاء قلعة السراغنة، بامتياز، محطة لتجديد العقد بين الجامعة والمؤسسات الرقابية لخدمة المواطنة الرقمية.










