مع حلول شهر رمضان، تمتلئ المساجد بالمصلين الباحثين عن لحظات صفاء روحي تعيد ترتيب القلب قبل الجسد، غير أن بعض المشاهد التي تتكرر كل ليلة في صلاة التراويح تكاد تحجب روح العبادة خلف سلوكيات غريبة عن حرمة المكان.
فقبل أن يبدأ الأذان بزمن غير يسير، تتحول بعض الصفوف الأولى إلى ما يشبه “أماكن محجوزة”، لا بأصحابها، بل بما تركوه من زرابي ومناديل وأمتعة، وكأننا في قاعة انتظار أو فضاء عمومي تُعلَّم فيه المقاعد مسبقاً.
المشهد أصبح مألوفاً إلى حد يثير الاستغراب: صفوف ممتلئة بالأغراض، بينما أصحابها غائبون، يحضرون لاحقاً بكل هدوء ليجدوا أماكنهم محفوظة بعناية. وفي المقابل يقف مصلون آخرون، حضروا مبكرين بنية الظفر بفضل الصفوف الأولى، ليكتشفوا أن الطريق إليها قد سُدّ بقطع قماش وأغراض صغيرة نصبت نفسها “حراساً” للمكان.
الطريف في الأمر أن الجميع يعرف فضل الصفوف الأولى، وأن المسارعة إليها أمر محمود، لكن البعض اختار طريقاً مختصراً لا يمر عبر باب المسجد بل عبر “حجز المكان”.
وهنا تكمن المفارقة: فبدل أن يكون التنافس في الخير بالحضور المبكر، أصبح التنافس أحياناً في من يترك زربيته أو منديله أولاً.بيوت الله، في جوهرها، فضاءات للمساواة؛ تتساوى فيها الأكتاف قبل أن تتجاور الأقدام، ولا فرق فيها بين غني وفقير، ولا بين صاحب جاه وبسيط الناس. معيار الأسبقية فيها بسيط وواضح: من حضر أولاً فله مكانه. أما أن تتحول الصفوف الأولى إلى شبه ملكيات خاصة تُحجز بالزرابي والمناديل والأمتعة، فذلك سلوك لا ينسجم مع روح العبادة التي تقوم على التواضع واحترام الجماعة.
ولعل ما يزيد الأمر مفارقة أن هذه السلوكيات لا تمر أحياناً دون توتر أو جدال بين المصلين، في لحظات يفترض أن تكون عنواناً للسكينة والخشوع. فيتحول النقاش حول “لمن المكان” إلى مشهد ينسينا أننا في مسجد، لا في فضاء للمنافسة على المقاعد.
ليست المشكلة في الرغبة في الصف الأول، فذلك فضل يسعى إليه كل مصلٍّ، لكن المشكلة حين يُطلب الفضل بوسيلة تناقض روحه. فالأجر في العبادة لا يُنال بالتحايل، ولا يُحجز بالمناديل، ولا يُؤمَّن بالزرابي، بل يُنال ببساطة عبر المسارعة الصادقة إلى الصلاة.
ربما آن الأوان لكي نستعيد المعنى الحقيقي للصفوف في المساجد: صفوف تُبنى بالحضور، لا بالحجز، وتُملأ بالمصلين لا بالأمتعة. فالمسجد لا يحتاج إلى علامات “محجوز”، بل إلى قلوب حاضرة تدرك أن العبادة، قبل أن تكون ركوعاً وسجوداً، هي أيضاً أخلاق وسلوك.
-المصطفى لحميدي


