بقلم:البدالي صافي الدين
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية بدأت تظهر بوادر الهروب من أحزاب إلى أخرى بحثا عن تزكية تضمن المرور الى المجلس التشريعي بتكلفة قليلة.
و قد كان أول حزب يعرف فرار بعض أطره هو الاتحاد الاشتراكي و المستقبل هو حزب التقدم و الاشتراكية ،غاية في نفس يعقوب ، و هناك فرار من أحزاب إدارية إلى أخرى، من الأحرار نحو حزب الأصالة ومن المعاصرة نحو الأحرار بنفس المنطق .
و هناك من يطرح تحالف احزاب اليسار من أجل تبوأ مركز متقدم في الانتخابات المقبلة طمعا في موقع حكومي .
أصبح المشهد السياسي يعرف حمى انتخابية وسط أحزاب الأغلبية الحكومية ، خاصة بعد أن تم إبعاد أخنوش عن رئاسة الحزب الذي يرأس الحكومة، إبعاد كانت له تداعياته على التحالف الحكومي، بالإضافة إلى الخلاف العميق بين رئيس الحكومة و الوزير وهبي على إثر سحب مشروع قانون المحاماة(26 20 ) من بين يديه، مما سيؤدي إلى انهيار التحالف الحكومي المقدس ضد الشعب المغربي الذي عانى من حكومة أخنوش ما لم يعانيه أبدا من قبل.
في ظل هذه الظروف يدعو الأمين العام لحزب الكتاب إلى تحالف أحزاب اليسار من أجل الانتخابات التشريعية المقبلة.
و هي دعوة تحترم، لأن السياسة ليس لها طعم ، و لكن أي تحالف لا يمكن أن يتحقق في ظل اختلاف واضح من حيث المبادئ والمنطلقات مما سيؤدي حتما الى التفكك عند أول محطة .
و إنه بالعودة إلى التجارب السابقة التي عرفها المشهد السياسي بمناسبة الانتخابات عرف تحالف اليسار الديمقراطي المغربي المكون من أحزاب ، المؤتمر الوطني الاتحادي و الطليعة الديمقراطي الاشتراكي و الاشتراكي الموحد سيرورة تنظيمية طويلة بالمحافظة على الثوابت لكل مكون من أجل تجاوز الانتخابات دون أن ينكسر ذلك التحالف الذي أصبح مشروع الحزب اليساري الكبير .
و من تم انتقل هذا التحالف إلى الاندماج، أي تحالف أحزاب ومكونات سياسية يسارية و الذي اختار له اسم فيدرالية اليسار الديمقراطي ،لم يتحقق هذا الطموح بجرة قلم ✏️ أو بسهولة كما يعتقد البعض ، بل تحقق بعد سنين من اللقاءات والمشاورات و بعد تحالف انتخابي بمناسبة انتخابات تشريعية و جماعية سابقة ، و بعد نقاشات موضوعاتية طويلة تسودها القواعد الديمقراطية من أجل البحث عن المشترك و عن الشكل التنظيمي في إطار فلسفة ذات ارتباط بالمرجعية المشتركة وكذلك الاقتناع بالمنظور المؤسساتي لتدبير شؤون الحزب حتى يجد كل مكون ذاته في هذا الإطار، الذي يحمل مشروعا مجتمعيا مرتبطا أساسا بالقضايا الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والحقوقية للجماهير الشعبية المغربية و للطبقة العاملة . تحقق الاندماج في كل أبعاده التنظيمية و السياسية و الاستراتيجية.
هو طموح تحقق في سياق الانشقاقات في صفوف اليسار و في سياق تمكن الجهاز المخزني من المشهد السياسي، و في سياق التراجعات الخطيرة عن المكتسبات الدستورية و عن الحريات العامة ،و في سياق دولي طغت فيه المصالح الاستراتيجية على حساب المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي و الاقتصادي .
إن الاندماج كان حدثا سياسيا وتاريخيا . وقد بدأ البعض يشكك في تماسكه و استمراره .و اعتبر البعض بأن عملية الاندماج عملية بسيطة تتحقق بالشعارات أو بالاتصالات الفردية أو بالبحث عن الزعامة أو عن وسيلة ركوب نحو المجهول أو نحو البلاط السلطاني ، بل إنه عمل تنظيمي تواصلي بين المكونات السياسية التي قررت على مستوى أجهزتها التقريرية الاندماج في تنظيم سياسي واحد ،وبعد مصادقة الأجهزة التقريرية للمكونات السياسية ، على المستوى السياسي و التنظيمي و المذهبي و الاستراتيجي قبل المؤتمر التأسيسي الذي أعطى لتحالف اليسار الديمقراطي اسم فيدرالية اليسار الديمقراطي.
و لم يكن المؤتمر هو البداية و النهاية، بل كان بداية مسار شاق وعسير لتنفيذ مخرجات المؤتمر التنظيمية و الإشعاعية و التواصلية و الانفتاح على القوى الديمقراطية و على الفعاليات السياسية اليسارية و على المثقفين و الفنانين و توطيد العلاقات الخارجية مع الأحزاب التقدمية العربية و مع أحزاب اليسار الأوروبي.
أن أي وحدة لا يمكنها أن تتحقق عبر الرغبات الذاتية دون تقدير المسافات الفاصلة بين المقصودين بالوحدة أو بالتحالف دون اعتبار أوضاعهم التنظيمية و السياسية. و إلا ستكون عبارة عن تجمع انتخابي ينتهي حسب النتائج.
و ما يدعو إليه الامين العام لحزب التقدم والاشتراكية من تحالف لأحزاب اليسار هو تحالف انتخابي ليس إلا. لأن أي تحالف لا يؤدي إلى قوة و أداة سياسية متماسكة في أبعادها السياسية و الثقافية التنظيمية و الديمقراطية سيكون مصيره التلف .
