بقلم : صالح رشيد
في خضم النقاش الدائر حول تجديد النخب السياسية، وتشبيب المشهد الحزبي الذي شاخ وهرمت آلياته، يبرز السؤال الجوهري الذي يتجاوز الكم إلى الكيف: “أي شبيبة حزبية نريد؟”.
ليس السؤال ترفاً فكرياً، بل هو حاجة ملحة تفرضها التحديات الراهنة واستحقاقات المستقبل. إننا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى إعادة تعريف دور المنظمات الشبابية داخل الأحزاب، بعيداً عن الشعارات الرنانة والاصطفافات الجوفاء.بداية، يجب أن نتحلى بالشجاعة لنقول ما لا نريده، حتى يتسنى لنا رسم معالم ما نبتغيه.
إننا لا نريد شبيبة “تستنسخ” شيوخها، وتعيش في جلباب الحزب الفضفاض، خائفة من برد الاستقلالية وحرارة الموقف. لا نريد تلك الكيانات الهلامية التي “لا توقظ نائماً ولا تزعج مستيقظاً”، والتي تكتفي بملء الفراغ العددي في القاعات والمهرجانات دون أن يكون لها أثر في صناعة القرار أو توجيه البوصلة.
لقد ولى زمن العمل السياسي القائم على منهج “الشيخ والمريد”، ولا نريد شبيبة تؤمن بأن سلم الارتقاء السياسي يُبنى بالتطبيل لقادة الحزب، وحرق البخور في محاريب الزعامات. والمفارقة هنا، أن كثيراً من القادة العقلاء لا يطلبون هذا التطبيل ولا يستسيغونه، بل يبحثون عمن يشاركهم همّ التفكير والتدبير، لكن ثقافة “التملق” المتجذرة جعلت من بعض الشباب ملكيين أكثر من الملك.
كذلك، لا نريد شبيبة تجتر أخطاء الماضي، وتعيد إنتاج الصراعات الديكيمائية العقيمة، ولا شبيبة تائهة تتساءل “لماذا نحن هنا؟” ولا تملك الجواب، ففاقد البوصلة لا يمكنه أن يقود الركب.
في المقابل، إننا نتطلع إلى ميلاد شبيبة من طينة أخرى. نريد شبيبة تمتلك “مناعة فكرية” ورأياً مستقلاً، وفكراً نقدياً لا تخاف الجهر به حتى وإن خالف السائد، شريطة أن يكون نقداً بناءً يصحح المسار لا نقداً يهدم المعبد.
نريد شبيبة تفكر بصوت عالٍ، تكسر حاجز الصمت، وتطرح الأسئلة المحرمة تنظيمياً بشجاعة ومسؤولية.نريد شبيبة متعطشة للتعلم والتطور، تدرك أن السياسة علم وممارسة وليست مجرد “فهلوة”.
شبيبة تساهم بجدية في التأطير والتكوين، وتتحول إلى مشتل حقيقي للكفاءات القادرة على تدبير الشأن العام مستقبلاً.
شبيبة تلعب دور “الوسيط النزيه” والذكـي بين المؤسسة الحزبية وبين قضايا الشباب في الشارع؛ تلك القضايا الحارقة التي تحتاج لمن يوصل صوتها بأمانة، لا لمن يتاجر بها.
نريد شبيبة تمارس السياسة “بشرف” ونبل، تترفع عن الدسائس الصغيرة، وتؤمن بأن العمل السياسي رسالة مستمرة، لا دكاكين تفتح أبوابها موسمياً قبيل الانتخابات وتغلقها فور إعلان النتائج. نريد شبيبة قوية، صلبة العود، لا تنكسر أمام أول عاصفة، ولا تغريها المناصب عن المبادئ.
ونضيف إلى ذلك، أننا نريد شبيبة “رقمية” تواكب عصرها، تفهم لغة جيلها الجديد وتخاطبه عبر منصاته، لا عبر منابر خشبية أكل عليها الدهر وشرب. شبيبة تؤمن بالاختلاف وتعدد الآراء داخل البيت الواحد، وتعتبر الديمقراطية الداخلية تمريناً يومياً لا مجرد نص في القانون الأساسي.
وفي الختام، نضع الإصبع على الجرح ونطرح السؤال الذي قد يكون مؤلماً ولكنه ضروري:لطالما ارتفعت أصوات شبيبة الأحزاب مطالبة بمنحهم الفرصة، سواء في التزكية للترشح في الاستحقاقات الانتخابية أو في تولي مراكز التسيير والقرار.
ولكن، هل سأل هؤلاء أنفسهم بصدق: هل يقدرون عليها إذا مُنحت لهم؟ وهل هم مستعدون فعلاً لهذه الفرصة إذا سنحت؟
إن سنة الحياة وقوة القانون تفرضان أن المشعل سينتقل لا محالة، وأن المواقع ستُمنح لهم إما بقوة التشريعات (الكوطا) أو بحكم الزمن البيولوجي لتقاعد الجيل الحالي.
فالسؤال ليس “متى” ستأتي الفرصة، بل “كيف” ستجدكم الفرصة حين تأتي؟ هل ستجدكم قادة جاهزين بمشاريع ورؤى، أم مجرد نسخ باهتة لمن سبقكم؟ التاريخ لا يرحم، والمستقبل لا ينتظر المترددين.

